زكي مبارك
84
عبقرية الشريف الرضي
وفي عصر الشريف نبغ في العراق شاعران ما جنان هما ابن سكَّرة وابن حجاج ، وكان لهذين الشاعرين في زمانهما مكان مرموق ، فكان يقال في بغداد ( إن زمانا جاد بابن سكرة وابن حجاج لسخيّ جدا ( 1 ) وكانت أشعار هذين الماجنين تباع في الأسواق بأثمان غالية ، وكان الناس يتشوفون إلى أشعارهما تشوف الصائمين إلى طلعة شوال ، وما ظنكم بديوان شعر يباع بخمسين دينارا في أزمان قضت عليها الفتن والثورات بضيق العيش واختلال الأحوال وقد طغى هذان الشاعران في زمانهما أبشع الطغيان ، بفضل ما خلبا به الناس من أشعار الهزل والمجون ، وبفضل ما رزقا من قوة الافتنان مع خفة الروح . أما ابن سكرة فكان يبدع في وصف مجالس اللهو والأنس كأن يقول : ويوم لا يقاس إليه يوم * يلوح ضياؤه من غير نار أقمنا فيه للذات سوقا ( 2 ) * نبيع العقل فيها بالعقار وقد اتفق له أن يعشق قينة سوداء اسمها « خمرة » فقال فيها أكثر من عشرة آلاف بيت ، وكانت هذه الحكاية مدار السّمر في أندية بغداد ، وأثّرت في الشريف الرضي نفسه فأنشأ القصائد الطوال في التشبيب بالسود الملاح ( 3 ) . وأما ابن حجاج فقد تفرد بفن من السخف لم يسبقه إليه سابق ( 4 ) ، وكان السخف في ذلك الزمن شيئا يطلبه أحرار الرجال ليتلهوا عما يحيط
--> ( 1 ) انظر اليتيمة . ( 2 ) في اليتيمة ( شوقا ) بالشين وهو تحريف . ( 3 ) سنرى شواهد ذلك في الجزء الثاني من هذا الكتاب . ( 4 ) تجارب الأمم ج 3 ص 403 .